مع تحوله إلى جائحة عالمية، بدأ وباء كورونا يؤثر بشكل جلي على كل جوانب الحياة في مجتمعاتنا بأشكال كان من الصعب على أي شخص أن يتخيلها قبل شهر واحد فقط. وتتسع هذه التأثيرات لتشمل الجريمة أيضاً. وفي مواجهة هذا الواقع الطارئ، يقدم آندرو مورلي، مسؤول السلامة العامة في ديلويت الشرق الأوسط، مجموعة من التوصيات، على غرار تلك المقدمة من أقسام الشرطة والجهات الأخرى في المنطقة المعنية بالسلامة العامة، إلى جانب الدعوات الملحة التي تدعو إلى التطبيق الصارم لإجراءات الصحة العامة للحدّ من انتشار فيروس كورونا

رغم القلق الذي نعاني منه جميعاً في هذه الظروف العصيبة الناشئة عن انتشار وباء كورونا، لا تزال وسائل الإعلام التقليدية ومواقع التواصل الاجتماعي تطالعنا بمشاهد تؤكد أن الناس لم يفقدوا دماثتهم ولباقتهم وحبهم للحياة والفرح لنرى مثلاً شاباً يتطوع لمساعدة جيرانه المسنين بشراء بعض المواد الغذائية لهم أو الحفلات الموسيقية الارتجالية التي يشارك فيها السكان بالغناء والعزف من شرفات منازلهم في مختلف مدن العالم. كل هذه الصور تعزز من إيماننا بالقيم الإنسانية المتأصلة في الطبيعة البشرية. وهذا ما يمنحنا الثقة بأننا سنتجاوز هذه المحنة، وبالطبع سوف ننجح في هذا المسعى

بالمقابل، فإن هذا الوباء والقلق الناجم عنه، بالإضافة إلى القيود المفروضة على السفر وممارسة النشاطات الاجتماعية قد وفر للمجرمين مجموعة من الفرص السانحة. لا يمكننا بالطبع تأكيد مثل هذا الاستنتاج في ظل الطبيعة غير المسبوقة للأحداث الجارية؛ لكننا إذا ما نظرنا إلى ما ورد في أبحاث بعض الأكاديميين حول الجريمة، وأعدنا النظر في بعض الأحداث السابقة التي تشترك مع الظروف الراهنة بمجموعة من الصفات المشتركة، وقرأنا التقارير المبكرة الصادرة عن أقسام الشرطة حول العالم، فبإمكاننا أن نشكل صورة عما نتوقعه في المستقبل

إن هذا الأمر مهم لسببين. أولاً، تتفاوت آثار الجريمة من فئة اجتماعية لأخرى، إذ أن أي عمل جنائي ستكون له عواقب فادحة على الفئات الاجتماعية الهشة أكثر من غيرها. ثانياً، قد يساعد هذا الأمر أقسام الشرطة وغيرها من المؤسسات إعادة التفكير بمهامها بحيث تعطي الأولوية في بعض الحالات لخدمات الاستجابة لمثل هذه التهديدات المحتملة

من الأطرالتي لا تزال معظم دوائر الشرطة تعمل وفقها لاستباق الجريمة ومنعها ما صممه باحثان من الولايات المتحدة في سبعينيات القرن الماضي: إذ وضع ماركوس فيلسون ولورانس كوهين النظرية التي تؤكد أن ما من جريمة يمكن أن تحدث إلا إذا توفرت لها ثلاثة عناصر في آن واحد، وهي: شخص لديه الدوافع للاعتداء، والشخص المستهدف من الاعتداء، وافتقار الشخص المستهدف للحماية. وتضيف هذه النظرية أن المجرم يبدأ أولاً بالموازنة بين الفائدة المحتمل أن يجنيها من جريمته والخطر المترتب عليها وذلك بالاستناد إلى المعلومات الموجودة بحوزته. وعندما يقدّر أن الفائدة ترجح على الخطر، يتخذ قراره النهائي بتنفيذ تلك الجريمة

إذا ما استندنا إلى هذه النظرية وسلّمنا بوجود العنصر الأول المتمثل بشخص لديه على الدوام من الدوافع ما يكفي لارتكاب أي عمل جنائي، ينبري السؤال التالي: كيف يمكن للأزمة الراهنة التي نعيشها من جراء انتشار وباء كورونا أن تجعل العنصرين الآخرين أكثر أو أقل احتمالاً للحدوث، وبالتالي يوفران الظروف المناسبة لاستكمال الفعل الجنائي؟

للإجابة على هذا السؤال، أميل إلى الاعتقاد بأن هذه الأزمة تتسم بثلاث ميزات توفر مجتمعة الفرص السانحة لأي مجرم

 طغيان القلق على الصحة

 إن القلق البالغ على صحتنا الشخصية وعلى حياة أحبائنا الذي ينتابنا من جراء أزمة كورونا الحالية يوفر فرصة يمكن لأي مجرم أن يستغلها بسهولة. وهذا ما تؤكده تقارير منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) التي سبق لها وأن أفادت بزيادة كبيرة في المنتجات الطبية المغشوشة أو المزورة من بينها على سبيل الذكر لا الحصر الأقنعة الطبية للاستخدام مرة واحدة، وسوائل تعقيم اليدين، وعلب اختبار الإصابة بفيروس كورونا. كما ذكرت وسائل الإعلام هذا الأسبوع بالتحديد أن السلطات قد أمرت بإغلاق منشآت كانت تعمل على تصنيع وبيع أقنعة طبية لا تستوفي المعايير الضرورية. ومن بين خطط المجرمين أيضاً الاستفادة من ميزة إخفاء الهوية التي توفرها شبكة الإنترنت نسبياً، فيبادروا إلى إنشاء مواقع إلكترونية لتسويق هذه البضائع المغشوشة، بينما يذهب آخرون خطوة أبعد من ذلك حيث يقومون بإنشاء مواقع  إلكترونية مزورة ومنشآت للتجارة الإلكترونية وهمية يستخدمونها في الحصول على دفعات مالية مقابل بضائع لن تصل إلى أولئك المشترين القلقين، أو الحصول على تفاصيل حساباتهم البنكية وسحب الأموال منها. كما أورد الإنتربول مقتطفات من تقارير ذكرت أن بعض المجرمين ينتحلون الصفة الطبية، فيتصلون بكبار السن مدعين أنهم يتصلون من أحد المستشفيات أو مؤسسات الصحة العامة حيث يخضع أحد أقربائهم للعلاج من فيروس كورونا، وأنه يتعين عليهم تسديد فاتورة العلاج من أجل الاستمرار في إنقاذ حياة أقربائهم

العمل عن بُعد

من أحد آثار هذه الأزمة هو احتمال أن تصبح بروتوكولات العمل عن بُعد رسمية مما يستدعي تعزيز إجراءات الأمن السيبراني. لقد أصبح أمراً شائعاً في الوقت الحاضر أن نرى الكثيرين يمارسون واجباتهم الوظيفية من منازلهم. كما انضم أطفال المدارس إلى هؤلاء الموظفين حيث صاروا يتلقون دروسهم عبر الإنترنت. لا شك أن هذا الموقف المستجد سوف يدفع مرتكبي الجرائم السيبرانية إلى استغلال الثغرات الموجودة في الأنظمة الإلكترونية الموجودة لدى المؤسسات والأفراد. في هذا المجال، يفيد عدد كبير من مؤسسات فرض القوانين والأمن السيبراني أنها قد رصدت زيادة كبيرة في عدد الهجمات بالبرمجيات الضارة وبرمجيات الفدية التي تستخدم مواد كوفيد-19 التي تتضمن روابط إلكترونية، وبمجرد أن يقوم المستقبل، سواء كان مؤسسة أو فرداً، بالنقر على هذه الروابط يُصاب جهازه بالفيروس. من ناحية ثانية، زادت الهجمات السيبرانية التي تستهدف أنظمة المستشفيات. في الأسبوع الماضي مثلاً، اضطر المستشفى الجامعي في مدينة برنو في جمهورية التشيك الذي يستضيف واحداً من بين أكبر 18 مركزاً لاختبار فيروس كورونا، للإغلاق بسبب هجوم سيبراني تعرضت أنظمته الإلكترونية له باستخدام برمجية الفدية. وبسبب ذلك، اضطر المستشفى إلى إلغاء جميع العمليات الجراحية، وتقوم السلطات الآن بتحويل قسم الاستجابة لفيروس كورونا بالمستشفى إلى مستشفيات أخرى في الدولة

 العزل الاجتماعي

 في سعيها لاحتواء انتشار وباء كورونا، تفرض معظم الدول قيوداً على حركة المواطنين، كما تطلب بعض الدول من السكان البقاء في منازلهم. بالرغم من أهمية هذه الإجراءات من منظور الصحة العامة، إلا أنها تسبب صعوبات كثيرة لضحايا العنف الأسري. في هذا المجال، تتحدث التقارير الواردة من الدول التي تفرض حظر التجول أو المدن المغلقة عن ارتفاع كبير في نداءات طلب المساعدة من جراء حوادث العنف المنزلي. وتتراوح هذه الحالات بين استغلال ظروف انتشار فيروس كورونا كذريعة لفرض المزيد من القيود لعزل ضحايا العنف المنزلي عن أصدقائهم وأفراد أسرهم، وحوادث تعرض الضحايا (نساء أو أطفال) إلى إساءة المعاملة العنيفة نتيجة لبقائهم لوقت طويل في المنزل وحيدين مع الجناة الذين يسيئون معاملتهم. على سيبل المثال، ذكرت تقارير من الصين أن شكاوى العنف المنزلي قد تضاعفت ثلاث مرات في شهر فبراير حيث كانت معظم الدولة في عزلة. ويتوقع بعض العاملين في معالجة هذه الحالات موجة تسونامي من الاتصالات والشكاوى بعد رفع الحصار حيث سيكون الضحايا قادرين على الوصول إلى مكان آمن للإبلاغ عن حوادث العنف المنزلي التي تعرضوا لها

العنصر الثالث والأخير في هذه النظرية هو الافتقار إلى الحماية

لقد اضطرت قوات الشرطة في كثير من الدول إلى نشر عدد كبير من أفرادها لفرض منع التجول في مسعى منها للحد من انتشار فيروس كورونا. فإذا ما أخذنا عدد حالات الاعتقال أو التوقيف مؤشراً على النشاط الروتيني لعمل أي جهاز للشرطة، لوجدنا تأثيراً لفيروس كورونا في هذا المجال في دول العالم. تشير الأرقام الواردة من الولايات المتحدة إلى تراجع عدد الموقوفين إلى النصف تقريباً. فقد انخفض عدد المعتقلين في شيكاغو ودالاس ونيويورك بنسبة 45%، 45% و 42% على التوالي مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية. كما سبق لقوات الشرطة في المملكة المتحدة أن قالت أنها يمكن ألا تعطي الأولوية للحالات الأقل خطورة

يُضاف إلى ذلك الافتقار إلى آليات الاستطلاع وتقديم المساندة على نطاق أوسع. وهذا مهم على نحو خاص في سياق العنف الأسري وعلى وجه الخصوص إساءة معاملة الأطفال حيث يتعين على الجهات الحكومية والمؤسسات المجتمعية أن تلعب دوراً مهما في تحديد الحالات التي يُشك فيها بوجود إساءة معاملة والتدخل مباشرة فيها. تُعتبر المستشفيات والمدارس عنصراً مهماً في ترتيبات الحماية للأطفال، ولكن من الصعب لها أن تقوم بدور الحماية عن بُعد عندما تكون الأولوية بالنسبة للعاملين في المستشفيات هي الاستجابة لطوارئ الصحة العامة

خلاصة القول، أنه بينما ستزداد فرص الجريمة والدوافع لارتكاب بعض الجرائم مع انتشار وباء كورونا، غير أن تغيير أنماط حياتنا سوف تقلص الكثير من الفرص أمام جرائم أخرى حيث سيصبح من السهل أكثر لقوات الشرطة أن تؤدي واجباتها مع هذا الانخفاض الملحوظ في تجول الناس في الأماكن العامة

إذاً، ماذا يعني ذلك لأجهزة الشرطة وغيرها من المؤسسات المعنية بالمحافظة على سلامة الناس؟

تنظيم حملات توعية تطال شريحة أوسع من الناس حول هذه التهديدات والأشكال التي قد تتخذها خلال هذه الأزمة. كما أن تضمين هذه التعليمات في رسائل الصحة العامة قد يساعد في يقظة الناس لهذه التهديدات المحتملة

توفير مراكز اتصال للإبلاغ عن أي جريمة تشمل جميع فئات ضحايا أنواع الجريمة. قد تكون مثل هذه المراكز افتراضية، لكنها يجب أن تقدم معلومات واضحة حول خدمات المساندة للناس الذين يحتاجون للمساعدة عند تعاملهم مع آثار أي جريمة – عملية، مالية أو نفسية. وعلى الشرطة اتخاذ القرارات حول الحالات الفردية بالاعتماد على توفر الموارد والأولويات، ولكن حتى في تلك الحالات التي لا يمكن فيها توفير الاستجابات الفورية، تستطيع الحصول على معلومات كاملة ودقيقة في وقت مبكر سوف تساعد في التحقيقات في المستقبل

في حالة العنف الأسري، توفير إرشادات إلى جميع المؤسسات التي تتفاعل مع الجمهور سواء عن بُعد أو شخصياً مع معلومات حول ما يجب البحث عنه وما هي المظاهر التي يمكن أن تكون مؤشرات على إساءة المعاملة مع آليات واضحة للإبلاغ عن مثل هذه الحالات. ويجب أن يتضمن ذلك رسالة واضحة مفادها أن أي شخص يشتكي من العنف الأسري ويبحث عن مساندة يجب أن توفر له المساندة حتى في أوقات حظر التجول

لا شك أننا سوف نتجاوز هذه الأزمة، والعديد منا سوف ينجو منها سالماً ومعافى

رغم ذلك، سيكون هناك بعض الأشخاص الذين عانوا من آثار هذه الأزمة بأشكال وطرق لم ندرسها مباشرة. من المحزن أن يقع أي شخص ضحية للجريمة التي ستترك مضاعفات تؤثر على وضعه النفسي أو وضعه المالي وترافقه لبعض الوقت بعد انتهاء هذه الأزمة. لذلك، يجب أن نكون مستعدين للتعامل مع مثل هذه الحالات، وأن نبحث أيضاً عن الدروس المستفادة من هذه الأزمة، بالإضافة إلى استعدادنا للاستجابة لشكاوى إساءة المعاملة التي وقعت خلال الأزمة وتطوير قنوات رقمية تسمح للناس بالاتصال مع الشرطة، وليس فقط الحصول على الخدمات

لا شك أن مهمة أولئك الأشخاص والمؤسسات الذين يتركز عملهم على المحافظة على سلامة الناس والمجتمعات قد أصبحت أكثر صعوبة من جراء هذه الأزمة، لكنها مهمة ليست مستحيلة لا سيما وأنه إذا كانت أجهزة الشرطة تشتهر بأمر، فلا بد أنه قدرتها على التكيّف مع كل الظروف والاستجابة لها

يتقدم آندرو بالشكر والتقدير إلى مايك هف، إيميرتوس الأستاذ في كلية القانون فيبيركبيك، جامعة لندن على الاستشارات التي قدمها إليه خلال إعداد هذه المدونة

نبذة عن ديلويت

يُستخدَم اسم “ديلويت” للدلالة على واحدة أو أكثر من الشركات الأعضاء المرخص لها من قبل ديلويت توش توهماتسو المحدودة، وهي مجموعة عالمية من الشركات الأعضاء المرخص لها، والكيانات المرتبطة بها، تتمتع الأخيرة وكل من الشركات المرخص لها بشخصية قانونية مستقلة خاصة بها. لا تقدم ديلويت توش توهماتسو المحدودة والمشار إليها بـ”ديلويت العالمية” أي خدمات للعملاء، يُرجى مراجعة  موقعنا الالكتروني على العنوان التالي

 http://www.deloitte.com/about

تعتبر ديلويت شركة عالمية رائدة في مجال التدقيق والمراجعة، والاستشارات الإدارية والمالية، وخدمات استشارات المخاطر، خدمات الضرائب والخدمات المتعلقة بها. وهي توفر خدماتها لأربع من بين خمس شركات على قائمة مجلة فورتشن العالمية لأفضل ٥٠٠ شركة، بفضل شبكة عالمية مترابطة من الشركات الأعضاء المرخص لها في أكثر من ١٥٠ دولة. للحصول على المزيد من التفاصيل حول مهنيي ديلويت الـ ٢٨٠٬٠٠٠ وأثرهم الإيجابي في مختلف القطاعات، يُرجى مراجعة موقعنا الالكتروني على العنوان التالي

 http://www.deloitte.com